الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

267

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

الأعظم ، وقد وجب حقّي عليك بخدمتك في المدة فأحب أن تعلمّنيه ، فسكت عنه وأومأ إليه أنهّ يخبره ، فتركه ستة أشهر ثم أخرج له من بيته طبقا ومكبّة مشدودة في منديل وقال له : تعرف صديقنا من الفسطاط . قال : نعم ، قال : أحب أن تؤدي هذا إليه . فأخذ الطبق وجعل يتفكّر في الطريق ان مثل ذي النون يوجهّ إلى فلان بهديّة أي شيء هي فلم يصبر لمّا بلغ الجسر ان حلّ المنديل ورفع المكبّة ، فإذا فأرة قفزت من الطبق ومرت فاغتاظ وقال : ذو النون يسخر بي يوجهّ مع مثلي فأرة ، فرجع ، وعرف ذو النون في وجهه . الغضب ، فقال له : يا أحمق إنّما ائتمنتك على فأرة فخنتني ، أفأيتمنك على اسم اللّه الأعظم ، مرّ عنّي فلا أراك ( 1 ) . « مستعملا آلة الدين للدنيا » قال شاعر : إنّي رأيت الناس في دهرنا * لا يطلبون العلم للعلم إلّا مباهاة لأصحابهم * وعزّة للخصم والظلم قال ابن جريج : لقد منعتني هذه الأبيات عن أشياء كثيرة من طلب العلم . وروى صاحب ( تحف العقول ) عنه عليه السلام قال : لو أن حملة العلم حملوه بحقه لأحبّهم اللّه وملائكته وأهل طاعته من خلقه ، ولكنهم حملوه لطلب الدنيا فمقتهم اللّه وهانوا على الناس ( 2 ) . وعن ( المنية ) عن الصادق عليه السلام : كان لموسى بن عمران جليس من أصحابه قد وعى علما كثيرا ، فاستأذن موسى عليه السلام في زيارة أقارب له ، فقال له موسى عليه السلام : ان لصلة القرابة حقّا ، ولكن إيّاك أن تركن إلى الدنيا ، فإن اللّه قد حمّلك علما فلا تضيعّه وتركن إلى غيره ، فقال الرجل : لا يكون إلّا خيرا ،

--> ( 1 ) الأذكياء : 84 ، والنقل بتصرف يسير . ( 2 ) تحف العقول : 201 .